ابن عجيبة
69
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : القسيس : العالم ، والراهب : العابد ، و ( مما عرفوا ) : سببية ، و ( من الحق ) : بيان أو تبعيض ، وجملة : ( لا نؤمن ) : حال ، والعامل فيها متعلق الجار ، أي : أي شئ حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين ، و ( نطمع ) : عطف على ( نؤمن ) ، أو خبر عن مضمر ، أي : ونحن نطمع . يقول الحق جل جلاله : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً للمؤمنين ؛ اليهود والمشركين ، لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، وركونهم إلى التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ، ومعاداتهم وعدوانهم لا ينقطع إلى الأبد . وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ، للين جانبهم ، ورقة قلوبهم ، وقلة حرصهم على الدنيا بالنسبة لليهود ، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل ، وإليه أشار بقوله : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ أي : علماء ، ومن جملة علمهم : علمهم بوصاية عيسى بالإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَرُهْباناً أي : عبادا ، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن قبول الحق إذا عرفوه ، بخلاف اليهود ؛ لكثرة جحودهم ، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل محمود ، وإن كان من كافر . قاله البيضاوي وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ؛ من البكاء ، جعل أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها ، وإنما يفيض دمعها ، وذلك مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ حين سمعوه ، أو من بعض الحق ، فما بالك لو عرفوا كله ؟ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بذلك ، أو بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ بأنه حق ، أو بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم . نزلت في النجاشي وأصحابه ، حين دعوا جعفرا وأصحابه ، وأحضروا القسيسين والرهبان ، وأمره أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة مريم ، فبكوا وآمنوا بالقرآن . وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلا من قومه ، وفدوا من عنده من الحبشة بأمره على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقرأ عليهم سورة يس ، فبكوا وآمنوا ، فصدر الآية عام ، فالنصارى كلهم أقرب مودة للمسلمين ، من آمن ، ومن لم يؤمن ، وإنما جاء التخصيص في قوله : وَإِذا سَمِعُوا ، فالضمير إنما يرجع إلى من آمن منهم ، كالنجاشي وأصحابه . وإنما جاء الضمير عاما ؛ لأن الجماعة تحمد بفعل الواحد . انظر ابن عطية .